ترددت كثيراً وتركت هذا النص لبعض الوقت قبل أن أقرر نشره، ولكنني قلت لنفسي في النهاية إنه لا أحد يعرفني هنا حقاً، ولا بأس من مشاركة هذه التفاصيل. أشارككم اليوم جزءاً من مراهقتي لأنني أعيش حالياً فترة طويلة وعويصة من التفكير الغريب. بعض الناس في حياتي قد يصفون هذا بالنضج أو بامتلاك خبرات أكثر من غيري في هذا السن، نتيجة لبعض التجارب الزائدة التي مررت بها.
أنا أعيش فترة مراهقة تختلف عن الصورة الذهنية المعتادة، وهي فترة شديدة بدأت معي تقريباً منذ سن الثانية عشرة وما زالت مستمرة حتى الآن، بل ألاحظ أن الموضوع يزداد عمقاً وصعوبة بمرور الوقت. قرأت سابقاً أن هذه المرحلة من المفترض أن تنتهي عند سن التاسعة عشرة، ومقارنة بوضعي الحالي، يبدو أن هذا التفكير سيستمر معي حبة حلوين، أي أن الطريق لا يزال في بدايته.
لا أقول إنني أعيش مشاعر غريبة تماماً، فالأمر يختلف من شخص لآخر، لكنني لا أشعر أن هناك أحداً في محيطي يمر بمراهقة تشبه مراهقتي. لقد مرت ثلاثة أعوام على بداية هذه المرحلة، وأشعر بغرابة تجاه المحيط من حولي. كنت دائماً أنظر إلى المراهقين في نفس عمري وأرى تصرفاتهم وأفعالهم، فأتساءل إن كان هذا طبيعياً. بعض الأفعال التي أراها تبدو لي سيئة جداً ولا تعبر عن نضج، ورغم أنني مراهقة ولم أخرج من هذا الجو بعد، إلا أنني أرى تلك الأشياء السيئة ولا أجد رغبة في فعلها. الفكرة أن الصورة الذهنية التي أملكها عن المراهقين تجعل عقلي لا إرادياً يرفض التصرف بتلك الطريقة، ويحاول بدلاً من ذلك أن يكون عقل إنسان ناطق ومستوعب، ورغم صعوبة ذلك إلا أنني أحاول التعايش معه بشكل جاد.
عندما وجدت أن المحيطين بي ينقسمون بين السيئ جداً أو الجيد جداً، لاحظت أنني أحياناً أركز على الجانب السيئ في الأشخاص, ربما لأنني أحمل جزءاً من المثالية الزائدة في نظرتي، وأنا أعلم أن هذا الشيء قد يكون خطاً، فالحياة ليست مثالية وبها عيوب. هذا الأمر أثر على علاقاتي وصداقاتي القريبة، فأكاد أزعم أنني لا أملك أصدقاء حقيقيين من نفس سني أبداً، باستثناء ثلاثة أو أربعة أشخاص ولكن العلاقات معهم سطحية جداً. هذا يجعلني أشعر أحياناً بأنني غير مفهومة بنسبة مائة بالمائة، حتى من الأشخاص الذين يعيشون معي في نفس البيت، وقد تيقنت أنه ليس بالضرورة أن تكون مفهوماً بالكامل من الآخرين.
منذ سن الثانية عشرة والثالثة عشرة، أي مع بداية خروجي من مرحلة الطفولة، أمتلكت عدداً مجهولاً وهائلاً من المعارف والأصدقاء. أنا من النوع المعروف والمشهور جداً في محيطي، ولست إطلاقاً من أولئك الذين يعانون من الرهاب الاجتماعي. كنت دائماً أشارك في العديد من الأنشطة والتفاعلات في مدرستي، من مناسبات ورحلات وغيرها، ولذلك صرت شخصية معروفة جداً للجميع. ولكن في نفس الوقت، من الصعب والنادر جداً أن يدخل معي أي شخص في علاقة صداقة حقيقية وجادة.
خلال هذه الفترة مررت بالعديد من الصداقات، ومعظم التي أجدها في محيطي ليست بالضرورة سيئة، ولكنها كانت غير مدارة بشكل صحيح. لقد صادفت جميع أنواع البشر التي يمكن أن يتخيلها المرء؛ رأيت المتدين، والمتعلم، والمثقف، والمريض النفسي، والسيئ، فليس الجميع جيدين بطبيعة الحال. هذا التنوع الكبير والمهول نشأ عنه اهتمامي بعلم النفس ومقالاتي التي أميل فيها لهذا الجانب. أشعر أحياناً بالحب والفضول تجاه النفس البشرية، مما يدفعني لتحليل تصرفات من حولي ومشاعرهم. أنا أستمع دائماً لأصدقائي، وأسمع لقصص وتجارب أشخاص مختلفين ومتباينين جداً، وهذا الاستماع ساعدني بالتأكيد على فهم أشياء كثيرة في الحياة، ورغم أنه جانب إيجابي ومثمر، إلا أن له جوانب أخرى كثيرة تجعل الموضوع مهولاً وعميقاً في رأسي.
أنا من أولئك الذين مروا بطفولة سيئة بعض الشيء، نعم هذا حدث، لكنني صراحة لا أقبل للإنسان أن يتحجج بالظروف أو يتحدث بها كعذر. جاءت عليّ فترة كنت أظن فيها أن ما أمر به هو بسبب الظروف ولا اقصد هنا ظروفي انا فالحمدلله لم اعاني من ظروف نفسية او مادية وانما اقصد ظروف من حولي كنت في مرحلة اتأثر فيها بشكل هائل بمن حولي سواء طفولة او مراهقة، ناهيك عن اني اصلا طبيعيا اتأثر بهم ولكن بعد إدراكي بفترة أن الجميع بلا استثناء يمرون بأشياء سيئة، وأنه لا يوجد شخص يعيش حياته كلها في راحة وتيسير، أيقنت أن هذا طبيعي جداً. صراحة لم أتحجج بهذه الظروف يوماً، ولم أرَ أنها حجة تصلح لأن يتخذها الشخص سبباً للثبوت في مكانه أو الرجوع للخلف، وإنما أخذتها دافعاً للأمام. ربما أثر عليّ هذا الشيء بعض الشيء، وهذا لا يمكن إنكاره، ولكن فلنأخذ الجزء الإيجابي منه؛ صراحة أرى أن هذا الجزء دفعني بشكل واضح جداً لأن أتعاطف مع الناس، سواء أعرفهم أو لا أعرفهم، بحكم أنني مررت بالعديد من التجارب. قد تقولون إنني صغيرة بعض الشيء على ما أحكيه وعن هذه الطفولة والمراهقة التي أتحدث عنها، ولكن هذا هو واقعي فعلياً.
لقد بدأت الكتابة وما وجدت يدي عامة وجدت أن هذا الشيء أعطاني قدراً كبيراً جداً من التعاطف مع الناس؛ فعندما أرى شخصاً حزيناً أو به شيء، أشعر به فوراً، وربما يكون شعوري هذا مضاعفاً أيضاً. أحاول التحكم في هذا الشيء الآن بعض الشيء، ولا أقول إنه يؤثر عليّ بشكل سلبي أكثر من الإيجابي، بل بالتأكيد له تأثير إيجابي قد يكون هو الأكثر. أنا أشعر أحياناً، بل أشعر بجزء كبير جداً من الراحة عندما أقدم لأحد شيئاً ما لم يقدمه لي أحد، أو شيئاً لم أحظَ به في وقت سابق حتي لو نصيحة، أو حتى لو كنت قد حظيت به.
هذا الجزء يرتبط بجانب آخر في مذكراتي، وهو شغفي بالتطوير المستمر. منذ حوالي سنة أو أقل، كنت أنغمس في السوشيال ميديا بطريقة غير طبيعية، أتنقل بين تيك توك وإنستغرام حتى أصبحت حياتي عبارة عن دراسة وسوشيال ميديا. أنا من النوع المتفوق جداً في دراستي بفضل الله، ولكن السوشيال ميديا كانت تأخذ جزءاً كبيراً وتدخل إلى عقلي كمية هائلة ومضغوطة من الأفكار والمعلومات الزائدة، مما سبب لي إرهاقاً ذهنياً كبيراً. لم أحب هذا الضغط، ولذلك اخترت القراءة كبديل، رغم أنني في الحقيقة لا أحب القراءة كشغف بحد ذاته، بل أتخذها أداة للبحث. البحث بالنسبة لي يختلف عن القراءة التقليدية، فأنا أبحث عن مقتطفات وأجزاء معينة تفيدني ولا أقرأ كل شيء إلا إذا كان الموضوع مهماً جداً، وعندها فقط قد أقرأ كتاباً كاملاً، وقد يستغرق مني الكتاب شهرين أو ثلاثة أشهر لأن عقلي مستهلك في معالجة الأفكار.
بالإضافة إلى ذلك، فإن القراءة أحياناً تدعيماً للبحث تدخل مصطلحات مبهمة وغير معرفة، مما يضطرني للعودة إلى البحث في السوشيال ميديا مجدداً، لذلك أصبحت لا أحب الكتب المبهمة أو غير الواضحة. أميل أكثر إلى الكتب المباشرة، وأحب قراءة الرياضيات والفيزياء والأرقام بشكل كبير جداً لطالما كان انتمائي للأرقام والفيزياء أشبه بمساحة أمان فكري؛ فالأرقام لا تكذب ولا تحمل تأويلات مبهمة، تقدم لك الحقيقة واضحة ومباشرة. وعلى العكس من العلوم الإنسانية التي تحتمل الجدال، أجد في المعادلات الرياضية والظواهر الفيزيائية تفسيراً منطقياً يسند عقلي المستهلك في التفكير، وكأنني أوازن به فوضى الأفكار الإنسانية التي أحللها يومياً. بجانب اهتمامي بالرسم والكتابة. لقد انتقلت إلى الكتابة أكثر من القراءة، ونادراً ما أدخل لقراءة كتب كاملة إلا إذا كانت مقالات أو نوتس سأخرج منها بفائدة واضحة، وإلا فلا أجد داعياً لها. تركيزي بالكامل ينصب على ثلاثة جوانب فقط: كتب علم النفس، الكتب الدينية، وكتب تطوير الذات وما يشابهها وإن كانت هي الأضعف بينها أرى أن تطوير الذات ينبع من التجارب أكثر من قرأتك للكتب.
حتى إنه جاءت عليّ فترة لم أكن أقول عنها إنها وحدة، بل هي انعزال قد يكون ناتجاً عن رغبة مني. ليس الانعزال بمعنى أن أجلس في غرفتي أربعاً وعشرين ساعة بمفردي، بل هو انعزال فكري هذا الانعزال الفكري لم يكن يوماً ضعفاً أو هروباً، بل اراقب من خلاله حركات الوجوه، نبرات الصوت، وتبدّل الملامح عند الحديث الموضوع مرهق لكن ممتع احيانا كوني فضولية. في تلك اللحظات التي يظنون فيها أنني غائبة، أكون في أقصى درجات الحضور الذهني، أتعلم من أخطاء غيري وأستوعب تقلبات النفس البشرية دون أن أضطر لخوض معاركهم، ولا يهمني أي شيء صراحة. أرى أن العزلة أمر يحتاجه الإنسان لبعض الوقت ليجلس ويعادل نفسه.
لم أكن بهذه الشخصية أبداً في السابق، السنة الأخيرة كانت تعتبر السنة الجذرية في حياتي. جلوسي مع نفسي لوقت طويل جعلني أفكر في أفكار عديدة، وكما ذكرت، فإن مخي يستهلك العديد من المعلومات ولديه تفكير زائد، فأتتني بعض الأفكار الغريبة التي قد تأتي لأي شخص في هذا السن. لم أولد في مجتمع مثالي نفسياً بنسبة مائة بالمائة أو في محيط متدين يجعل الإنسان يرى الأشياء بوضوح راسخ، وصراحة جاهدت بعض الشيء في هذا النحو، خصوصاً أن بعض الأشخاص المحيطين بي كانوا يأخذون الدين بشكل خاطئ. في ذلك الوقت لم أكن أعرف ماذا يعني الدين أصلاً، فقد ولدت مسلمة، فكل ما أعرفه أنني مسلمة في الشهادة. وبسبب الفضول الكبير لدي، سألت العديد من الأشخاص ولكنني لم أتوصل لشيء واضح، فكل الطرق كانت مبهمة.
حاولت البحث بنفسي في بعض الأديان، وتوصلت للعديد من الأشياء (وقد كنت نشرت سابقاً مقالاً من مذكراتي عن فكرة إنسان بلا دين أو ما شابه، ويمكنكم قراءته). وكنتيجة لكل هذا البحث والتفكير، أصبحت لا آخذ الأشياء من منطلقها السطحي أبداً، بل أصبحت أرى الأشياء معقدة ومبسطة في نفس الوقت. بناءً على ذلك، صرت أركز بشكل أكبر على جزء التطوير الديني؛ إذ كنت دائماً أبحث عن هدف في حياتي أو من أين يأتي أصل هذا الهدف، وقد أيقنت بالطبع أن أصل هدفي ينبع من كوني مسلمة، ولا أريد الاستفاضة في هذا الجزء لأنني أشعر أن كلامي قد كثر فيه.
أعلم أن بعض الأشخاص قد يحكمون عليّ أو يأخذون نظرة سطحية بناءً على ما أكتبه، وليس من السهل عليّ أن أكشف هذا الجزء من شخصيتي. لكنني أردت أن تعرفوا عني أنني لست شخصية بائسة على الإطلاق، والمقالات التي أكتبها ليست ناتجة عن البؤس. أنا متيقنة تماماً أن كتابات الإنسان وقراءاته لا تعكس شخصيته كاملة، وستظل هناك نواقص دائماً طالما أنك لم تتعامل مع الشخص في الحقيقة. لقد أخبرني أحدهم سابقاً أنه لم يستطع تحليل شخصيتي من خلال مقالاتي، وهذا أمر طبيعي جداً، لأنني في الحقيقة شخصية متنوعة تماماً أملك جزء من الغرابة احيانا.
أنا شخصية تملك أملاً كبيراً جداً وغير محدود، ولدي قدرة عالية على التحدي والمواجهة، ولا أحب الخروج خسرانة من أي تجربة في الحياة، فالخسارة عندي تعني أنني لم أستفد معلومة أو خبرة. كما أنني شخصية اجتماعية، وأمتلك خفة دم يلاحظها أصدقائي دائماً ويقولون لي إن دمي خفيف جداً. ومع كل هذا، أجد نفسي أحياناً متناقضة بشكل غريب، وغير مفهومة حتى لذاتي. ولم أشعر يوماً بالفضول تجاه أي شخص قدر فضولي تجاه فهم نفسي. في الفترة الأخيرة، قل اهتمامي وفضولي بمعرفة تفاصيل الآخرين حتى لو كانوا مقربين مني، ورغم أنني لست من النوع الذي يتسرع في إطلاق الأحكام وأرى الناس بوضوح في كثير من الأحيان، إلا أن فضولي الحقيقي يظل متجهاً نحو الداخل.
في النهاية، أدركت أن هذا التناقض الذي أعيشه ليس عيباً، بل هو دليل على أنني لست قالباً جامداً. يمكنني أن أكون الفتاة المعروفة ذات الدم الخفيف، وفي نفس الوقت المنعزلة التي تقرأ في علم النفس والدين لتجد أصل هدفها في حين لا يعرف عنها احد اي شيء. الحياة تسع هذا كله، والمرء لا يجب أن يكون نسخة واحدة طوال الوقت لتستوعبه عقول الآخرين وبالتأكيد، أنا لم أكتشف ذاتي بشكل كلي بعد، بل أكاد أزعم أن ما اكتشفته حتى الآن هو مجرد جزء لا يتجزأ منها، جزء بسيط جداً مقارنة بما هو قادم، ولكنني متيقنة تماماً أنه جزء مؤثر للغاية في تكوين شخصيتي ورؤيتي للحياة.
نحن نحاول دائماً فهم أنفسنا والتعايش، وهذه كانت لمحة بسيطة من رحلتي ومذكراتي.. فهل تجدون في مراهقتكم أو حياتكم بشكل عام تفاصيل وتشابهات تشبه ما أمر به؟ لا أريد أن اشعر أني غريبة.




أظن أن هذا التناقض الذي يحدث لك ماهو رحلة لفهم نفسك إلا أنني أراك تريدين بشكل غير مباشر أن تكونين مثالية في كل الجوانب،لكن الأمر نفسه ليس متعلقا حول ذاتك فعليا بل حول نقدك لمحيطك فقد لاحظت أنك تركزين على الجانب الإجتماعي بحياتك وهذا أمر جيد إلا أن وجب على الشخص أن لا يصبح كثير الإكتراث فقد يكون يخسر إتزانه نفسي نقطة بنقطة فالأمر الأهم وجب عليك أن تعرفي أن هذه المراحل المتقلبة من السنوات ماهي إلا رحلة لبنائك وتركيزك على عدم الخطأ كما قلتي هو شيء وجب عليك أن تعتادي عليه فمن المراهقة إلا العشرينات هذه المرحلة هي تجريبية والخطأ فيها شيء طبيعي بل وقد يبنيك أكثر.
ووفقك الله أختي خديجة على مشاركتك لنا جانبا من حياتك نتعرف فيه عليك أكثر
فعندما أرى شخصاً حزيناً أو به شيء، أشعر به فوراً، وربما يكون شعوري هذا مضاعفاً أيضاً. أحاول التحكم في هذا الشيء الآن بعض الشيء) هذا اسمه حساسيه عاليه عندي مثله لكن أصبح الموضوع مرهقاً فوق الإرهاق فقررت ألا أقوم بتحليل أحد لكنني استمتع جدًا على هذا الشيء حتى بدأ أصدقائي يلاحظون ما أفعله أصبحت أشعر بالصداع في بداية الدوام المدرسي بسبب ذلك أما التناقض فهو موجود تقريباً في كل الناس فهو يختلف من شخص إلى آخر وأظن هناك الكثير من الأشياء لكنني لا أستطيع قول كل شيء أريد قوله فالكلام بعقلي لا يتوقف ولا يختصر